الخطيب الشربيني

696

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

إلى عمان » وسئل عن شرابه فقال : « أشدّ بياضا من اللبن ، وأحلى من العسل فيه ميزابان يمدانه من الجنة أحدهما من ذهب والآخر من ورق » « 1 » . وعن أبي هريرة أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « يرد عليّ يوم القيامة رهطان من أصحابي » ، أو قال : « من أمتي فيجلون عن الحوض فأقول : أي رب أصحابي ، فيقول إنه لا علم لك بما أحدثوا بعدك كأنهم ارتدّوا على أدبارهم القهقرى » « 2 » . ولمسلم أنّ رسول الله صلى اللّه عليه وسلم قال : « ترد عليّ أمّتي الحوض وأنا أذود الناس عنه كما يذود الرجل إبل الرجل عن إبله ، قالوا : يا نبيّ الله تعرفنا قال : نعم لكم سيما ليست لأحد غيركم تردون عليّ غرّا محجلين من آثار الوضوء ، وليصدنّ عني طائفة منكم فلا يصلون ، فأقول : يا رب هؤلاء أصحابي فيجيبني فيقول : وهل تدري ما أحدثوا بعدك » « 3 » . وأحاديث الحوض كثيرة ، وفيما ذكرناه كفاية لأولي الألباب فنسأل الله تعالى أن يروينا منه نحن وأحبابنا ، ويدخلنا وإياهم الجنة بغير حساب . قال القاضي عياض : أحاديث الحوض صحيحة ، والإيمان به فرض ، والتصديق به من الإيمان . وقال ابن عادل : وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة لا يتأوّل ولا يختلف فيه ، وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة ا ه . وقيل : الكوثر القرآن العظيم ، وقيل : هو النبوّة والكتاب والحكمة وقيل : هو كثرة أتباعه . وقيل : الكوثر الخير الكثير الذي أعطاه الله تعالى إياه . وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما : الكوثر الخير الكثير . قال أبو بشر : قلت لسعيد بن جبير : إن ناسا يزعمون أن الكوثر نهر في الجنة ؟ فقال سعيد : النهر الذي في الجنة من الخير الكثير الذي أعطاه الله تعالى إياه . وأصل الكوثر فوعل من الكثرة والعرب تسمي كل شيء كثير في العدد أو كثير القدر والخطر كوثرا قيل لأعرابية رجع ابنها من السفر : آب ابنك ، قالت : آب بكوثر ، وقال الشاعر « 4 » : وأنت كثير يا ابن مروان طيب * وكان أبوك ابن العقائل كوثرا وقيل : الكوثر الفضائل الكثيرة التي فضلها على جميع الخلائق . تنبيه : لا منافاة بين هذه الأقوال كلها فقد أعطيها النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أعطي صلى اللّه عليه وسلم النبوّة والحكمة والعلم والشفاعة والحوض المورود ، والمقام المحمود ، وكثرة الاتباع ، وإظهاره على الأديان كلها ، والنصر على الأعداء ، وكثرة الفتوح في زمنه إلى يوم القيامة ، وأولى الأقاويل في الكوثر وهو الذي عليه جمهور العلماء أنه نهر في الجنة . ولما كمل له سبحانه من النعم ما لا يأتي عليه حصر مما لا يناسب أدناه نعيم الدنيا بجملتها

--> ( 1 ) أخرجه مسلم في الفضائل حديث 3201 . ( 2 ) أخرجه البخاري في الرقاق حديث 6585 . ( 3 ) أخرجه مسلم في الطهارة حديث 247 . ( 4 ) البيت من الطويل ، وهو للكميت في ديوانه 1 / 209 ، ولسان العرب ( كثر ) ، وتهذيب اللغة 10 / 178 ، وجمهرة اللغة ص 1174 ، وأساس البلاغة ( كثر ) ، وتاج العروس ( كثر ) ، وبلا نسبة في مقاييس اللغة 5 / 161 ، ومجمل اللغة 4 / 216 ، والمخصص 3 / 3 .